فصل: قال الشوكاني في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وعن ابن مسعود أيضًا قال: «كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار فقال: يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟ فقلت الله ورسوله أعلم، قال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزموا أهل الإيمان ثلاث مرار فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء قتلونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله تعالى النبيّ الذي وعدنا عيسى عليه السلام يعنون محمدًا صلى الله عليه وسلم فتفرّقوا في غيران الجبال وأحدثوا الرهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الآية {ورهبانية ابتدعوها} إلى قوله تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} يعني من ثبت عليها أجرهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي قلت الله ورسوله أعلم قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة».
وعن أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ لكلّ أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله تعالى» وعن ابن عباس قال: كانت ملوك بني إسرائيل بعد عيسى عليه السلام بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله تعالى. فقيل لملوكهم: لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل وإلا فما بدلوا منهما فقالوا نحن نكفيكم أنفسنا، فقالت طائفة: ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دورًا في الفيافي نحتفر الآبار ونحترث البقر فلا نرد عليكم ولا نراكم ففعلوا بهم ذلك، فمضى أولئك على منهاج عيسى عليه السلام، وخلف قوم من بعدهم ممن غير الكتاب فجعل الرجل يقول: نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم فذلك قوله عز وجلّ: {ورهبانية ابتدعوها} ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها حق رعايتها، يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} يعني: الذين اتبعوها ابتغاء مرضاة الله {وكثير منهم فاسقون} هم الذين جاؤوا من بعدهم قال: فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا القليل انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فآمنوا وصدّقوا فقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي: بموسى وعيسى عليهما السلام إيمانًا صحيحًا {اتقوا الله} أي: خافوا عقاب الملك الأعظم {وآمنوا برسوله} محمد صلى الله عليه وسلم إيمانًا مضمومًا إلى إيمانكم بمن تقدّمه، هذا إذا كان خطابًا لمؤمني أهل الكتاب، وأمّا إذا كان خطابًا للمؤمنين من أهل الكتاب وغيرهم، فالمعنى: آمنوا برسوله إيمانًا مضمومًا إلى إيمانكم بالله تعالى فإنه لا يصح الإيمان بالله إلا مع الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم {يؤتكم} أي: يثبكم على اتباعه {كفلين} أي: نصيبين ضخمين {من رحمته} يحصنانكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من الوقوع وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقي مقدّمه على الكاهل ومؤخره على العجز وهذا التحصين لأجل إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيمانكم بمن تقدّمه مع خفة العمل ورفع الآصار، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخًا ببركة الإسلام. وقيل: الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم وقال أبو موسى الأشعري: كفلين ضعفين بلسان الحبشة، وقال ابن زيد: كفلين أجر الدنيا وأجر الآخرة، وعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث يؤتون أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوّجها، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده» {ويجعل لكم} أي: مع ذلك {نورًا} مجازيًا في الدنيا من العلوم والمعارف القلبية وحسيًا في الآخرة بسبب العمل {تمشون به} أي: مجازًا في الدنيا بالتوفيق للعمل وحقيقة في الآخرة بسبب العمل، وقال مجاهد: النور هو البيان والهدى، وقال ابن عباس: هو القرآن، وقال الزمخشري: هو النور المذكور في قوله تعالى: {نورهم يسعى} [التحريم].
وقيل: يمشون في الناس يدعونهم إلى الإسلام فيكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياستكم فيه وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله تعالى لا الرياسة الحقيقية في الدين {ويغفر لكم} أي: ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجدّ {والله} أي: المحيط بجميع صفات الكمال {غفور} أي: بليغ المحو للذنوب عينًا وأثر {رحيم} أي: بليغ الإكرام لمن يغفر له ويوفقه للعمل بما يرضيه.
ولما بلغ من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله تعالى: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين} قالوا للمسلمين: أمّا من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم وبكتابنا ومن لم يؤمن منا فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا فأنزل الله تعالى: {لئلا يعلم} أي: ليعلم ولا زائدة للتأكيد {أهل الكتاب} الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم {أن} مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشان والمعنى أنهم {لا يقدرون على شيء} في زمن من الأزمان {من فضل الله} أي: الملك الأعلى فلا أجر لهم ولا نصيب في فضله إن لم يؤمنوا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبيّ يقطع الأيدي والأرجل فلما خرج من العرب كفروا به فنزلت الآية. وروي أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادّعوا الفضل عليهم فنزلت، وقيل: المراد من فضل الله الإسلام، وقيل: الثواب، وقال الكلبي: من رزق الله وقيل: نعم الله تعالى التي لا تحصى {وأنّ} أي: وليعلموا أن {الفضل} أي: الذي لا يحتاج إليه من هو عنده {بيد الله} الذي له الأمر كله {يؤتيه من يشاء} لأنه قادر مختار فآتى المؤمنين منهم أجرهم مرتين {والله} أي: الذي أحاط بجميع صفات الكمال {ذو الفضل العظيم} أي: مالكه ملكًا لا ينفك ولا ملك لأحد فيه معه ولا تصرف بوجه أصلًا فلذلك يخص من يشاء بما يشاء.
روى البخاري عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو قائم على المنبر: «إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين، قال أهل التوراة: ربنا هؤلاء أقل عملًا وأكثر أجرًا قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء» وفي رواية «فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: ربنا» الحديث، وفي رواية «إنما أجلكم في أجل من كان قبلكم خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس»؟ «وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالًا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعلمت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء قال الله تعالى: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فإنه فضلي أوتيه من شئت». وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملًا فأبوا وتركوا واستأجر آخرين من بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر آخرين على أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكلموا أجر الفريقين كلاهما فذلك مثلهم ومثل ما بقوا من هذا النور». وما رواه البيضاوي تبعًا للزمخشري من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله» حديث موضوع. اهـ.

.قال الشوكاني في الآيات السابقة:

قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات} أي: بالمعجزات البينة، والشرائع الظاهرة {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب} المراد الجنس، فيدخل فيه كتاب كلّ رسول {والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط} قال قتادة، ومقاتل بن حيان: الميزان: العدل: أمرناهم بالعدل، كما في قوله: {والسماء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان} [الرحمن: 7] وقوله: {الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان} [الشورى: 17] وقال ابن زيد: هو ما يوزن به ويتعامل به، ومعنى: {لِيَقُومَ الناس بالقسط}؛ ليتبعوا ما أمروا به من العدل، فيتعاملوا فيما بينهم بالنصفة، والقسط: العدل، وهو يدل على أن المراد بالميزان العدل، ومعنى إنزاله: إنزال أسبابه وموجباته.
وعلى القول بأن المراد به الآلة التي يوزن بها، فيكون إنزاله بمعنى: إرشاد الناس إليه، وإلهامهم الوزن به، ويكون الكلام من باب:
علفتها تبنًا وماء باردًا

{وَأَنزْلْنَا الحديد} أي: خلقناه، كما في قوله: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر: 6] والمعنى: أنه خلقه من المعادن، وعلم الناس صنعته، وقيل: إنه نزل مع آدم {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} لأنه تتخذ منه آلات الحرب.
قال الزجاج: يمتنع به ويحارب، والمعنى: أنه تتخذ منه آلة للدفع، وآلة للضرب.
قال مجاهد: فيه جنة وسلاح، ومعنى {ومنافع لِلنَّاسِ}: أنهم ينتفعون به في كثير مما يحتاجون إليه مثل السكين، والفأس، والإبرة، وآلات الزراعة، والنجارة، والعمارة {وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب} معطوف على قوله: {ليقوم الناس} أي: لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت، ليقوم الناس وليعلم، وقيل: معطوف على علة مقدّرة، كأنه قيل: ليستعملوه وليعلم الله، والأوّل أولى.
والمعنى: أن الله أمر في الكتاب الذي أنزل بنصره دينه ورسله، فمن نصر دينه ورسله علمه ناصرًا، ومن عصى علمه بخلاف ذلك، و{بالغيب} في محلّ نصب على الحال من فاعل ينصره، أو من مفعوله أي: غائبًا عنهم، أو غائبين عنه {إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ} أي: قادر على كل شيء غالب لكل شيء، وليس له حاجة في أن ينصره أحد من عباده وينصر رسله، بل كلفهم بذلك؛ لينتفعوا به إذا امتثلوا، ويحصل لهم ما وعد به عباده المطيعين.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وإبراهيم} لما ذكر سبحانه إرسال الرسل إجمالًا أشار هنا إلى نوع تفصيل، فذكر رسالته لنوح وإبراهيم، وكرّر القسم للتوكيد {وَجَعَلْنَا في ذُرّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب} أي: جعلنا فيهم النبوّة والكتب المنزلة على الأنبياء منهم، وقيل: جعل بعضهم أنبياء، وبعضهم يتلون الكتاب {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ} أي: فمن الذرية من اهتدى بهدي نوح وإبراهيم، وقيل: المعنى فمن المرسل إليهم من قوم الأنبياء مهتد بما جاء به الأنبياء من الهدى {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون} خارجون عن الطاعة.
{ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم بِرُسُلِنَا} أي: اتبعنا على آثار الذرية، أو على آثار نوح وإبراهيم برسلنا الذين أرسلناهم إلى الأمم كموسى، وإلياس، وداود، وسليمان، وغيرهم {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ} أي: أرسلنا رسولًا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم، وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه {وآتيناه الإنجيل} وهو الكتاب الذي أنزله الله عليه، وقد تقدّم ذكر اشتقاقه في سورة آل عمران.
قرأ الجمهور {الإنجيل} بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بفتحها {وَجَعَلْنَا في قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً} الذين اتبعوه هم الحواريون جعل الله في قلوبهم مودّة لبعضهم البعض، ورحمة يتراحمون بها، بخلاف اليهود، فإنهم ليسوا كذلك، وأصل الرأفة: اللين، والرحمة: الشفقة، وقيل: الرأفة: أشدّ الرحمة {وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها} انتصاب {رهبانية} على الاشتغال، أي: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، وليس بمعطوفة على ما قبلها، وقيل: معطوفة على ما قبلها، أي: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة، ورهبانية مبتدعة من عند أنفسهم.
والأوّل أولى، ورجحه أبو علي الفارسي وغيره، وجملة: {مَا كتبناها عَلَيْهِمْ} صفة ثانية لرهبانية، أو مستأنفة مقرّرة؛ لكونها مبتدعة من جهة أنفسهم، والمعنى: ما فرضناها عليهم، والرهبانية بفتح الراء وضمها، وقد قرئ بهما، وهي بالفتح: الخوف من الرهب، وبالضم منسوبة إلى الرهبان، وذلك لأنهم غلوا في العبادة، وحملوا على أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والمنكح، وتعلقوا بالكهوف والصوامع؛ لأن ملوكهم غيروا وبدلوا، وبقي منهم نفر قليل، فترهبوا وتبتلوا، ذكر معناه الضحاك، وقتادة، وغيرهما {إِلاَّ ابتغاء رضوان الله} الاستثناء منقطع، أي: ما كتبناها نحن عليهم رأسًا، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله.
وقال الزجاج: ما كتبناها عليهم معناه لم نكتب عليهم شيئًا ألبتة، قال: ويكون {إِلاَّ ابتغاء رضوان الله} بدلًا من الهاء والألف في كتبناها، والمعنى: ما كتبنا عليهم إلاّ ابتغاء رضوان الله {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي: لم يرعوا هذه الرهبانية التي ابتدعوها من جهة أنفسهم، بل صنعوها وكفروا بدين عيسى، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدّلوا، وتركوا الترهب، ولم يبق على دين عيسى إلاّ قليل منهم، وهم المرادون بقوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى، وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون}: خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به، ووجه الذمّ لهم على تقدير أن الاستثناء منقطع أنهم قد كانوا ألزموا أنفسهم الرهبانية معتقدين أنها طاعة، وأن الله يرضاها، فكان تركها وعدم رعايتها حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه دينًا.
وأما على القول بأن الاستثناء متصل، وأن التقدير: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلاّ ليبتغوا بها رضوان الله بعد أن وفقناهم لابتداعها، فوجه الذم ظاهر.
ثم أمر سبحانه المؤمنين بالرسل المتقدّمين بالتقوى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال: {يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله} بترك ما نهاكم عنه {وآمنوا برسوله} محمد صلى الله عليه وسلم {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} أي: نصيبين من رحمته بسبب إيمانكم برسوله بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل، وأصل الكفل: الحظ والنصيب، وقد تقدّم الكلام على تفسيره في سورة النساء {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} يعني: على الصراط كما قال: {نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [التحريم: 8] وقيل: المعنى ويجعل لكم سبيلًا واضحًا في الدين تهتدون به {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ما سلف من ذنوبكم {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: بليغ المغفرة والرحمة {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب} اللام متعلقة بما تقدّم من الأمر بالإيمان والتقوى، والتقدير: اتقوا وآمنوا يؤتكم كذا وكذا؛ ليعلم الذين لم يتقوا ولا آمنوا من أهل الكتاب {أَن لا يَقْدِرُونَ على شيء مّن فَضْلِ الله} و(لا) في قوله: {لّئَلاَّ} زائدة للتوكيد، قاله الفراء، والأخفش، وغيرهما، و(أن) في قوله: {أَن لا يَقْدِرُونَ} هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وخبرها ما بعدها، والجملة في محل نصب على أنها مفعول يعلم، والمعنى: ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على أن ينالوا شيئًا من فضل الله الذي تفضل به على من آمن بمحمد، ولا يقدرون على دفع ذلك الفضل الذي تفضل الله به على المستحقين له، وجملة: {وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله} معطوفة على الجملة التي قبلها، أي: ليعلموا أنهم لا يقدرون، وليعلموا أن الفضل بيد الله سبحانه، وقوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} خبر ثان لأنّ، أو هو الخبر، والجارّ والمجرور في محل نصب على الحال {والله ذُو الفضل العظيم} هذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها، والمراد بالفضل هنا: ما تفضل به على الذين اتقوا وآمنوا برسوله من الأجر المضاعف.